السيد محمد تقي المدرسي

60

من هدى القرآن

آخر من ألوان الغرور وهو : اعتقاد الإنسان بأن هذه الأعشاب نباتات ، بينما هي في الواقع مياه قد تشكلت بهذا الشكل ، وإذا ذهبت تلك المياه فإن تلك الأعشاب تتحول إلى هشيم تذروه الرياح ، ولا تقف على سوقها ، ولا تثبت في مكانها . فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ بعد أن كانت النباتات تبدو ثابتة مستقرة ، ومختلطة ، بعضها يدعم بعضاً ، تحولت إلى هشيم متفتت تنقله الرياح من مكان إلى مكان . وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً وقدرة الله هي التي تحرك هذه الدورة التي تشبه سائر دورات الحياة ، وعندما تنظر بمقياس تاريخي إلى بعض الدورات التاريخية ، فإنك ترى حضارة جاءت ونشأت وجرت عليها الأجيال ، ثم اضمحلت وبادت وانتهت ، والشيء الوحيد الذي بقي لنا منها هو سنة الله ودلائل قدرته ، وكلمة كَانَ تدل على الماضي أو على الاستمرار ، فإذا دلَّت على الماضي فذلك يعني أن الشيء الذي سبق كل هذه الحياة إنما هو قدرة الله ، إذن فهي التي ستبقى لأنها كانت ولم تكن الحياة ، وسوف تكون بعد أن تنتهي الحياة . الباقيات الصالحات [ 46 ] الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لأنها أشياء تشبه تلك النباتات التي تختلط وتلتف ببعضها ، وهي زينة يجب أن يستفيد الإنسان منها على هذا الأساس لا أكثر ، أما إذا أراد أن يعتمد عليها اعتماداً كلياً فسوف يسقط . والوردة الجميلة الجذابة ذات العبق الطيب إنما هي زينة ، ولا يمكن أن تستند عليها لأنها تقع ولو فعلت ذلك فستقع معها . والمال والبنون هكذا ، فبقدر ما تتعب وتحصل على المال وتبني بيتا تستفيد منه ، أو تحص - ل على بنين يسر قلبك لمرآهم ، وترتاح نفسيا بهم ، بهذا المقدار سائغ لك ، أما أن تغتر بالمال والبنين فهذا خطأ كبير ، لأنَّ هذا المال ليس باق وحتى إذا بقي فأنت لا تبقى له ، والبنون لا يبقون لك أو لا تبقى معهم ، وينتهي دورهم بانتهاء دور الزينة . فما الذي يبقى لك ؟ . عملك هو الذي يبقى . وما تدخره لنفسك من الصالحات هو الذي يدوم ، وهو الذي يشكّل زينة الحياة الآخرة وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلًا فبدل أن تدخر جهدك في الأموال وتكدّسها على بعضها ثم تذهب في لحظة واحدة ، أو تتعب نفسك وترهقها من أجل الأولاد ثم فجأة يقلبون عليك ظهر المجن ويتركونك وحدك ، بدل كل ذلك اعتمد على الله بالأعمال الصالحة .